اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري: على لبنان أن يترجم الحق في معرفة الحقيقة إلى إجراءات فعلية
30 آب 2026 – طرابلس، لبنان
بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، يدعو مركز سيدار للدراسات القانونية (CCLS) السلطات اللبنانية إلى اتخاذ تدابير ملموسة لمعالجة الإرث غير المحلول للاختفاء القسري في لبنان، ومنع وقوع حالات جديدة، وضمان إجراء تحقيقات فعالة، وكفالة حق الضحايا وعائلاتهم في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة والحصول على التعويض.
بالنسبة للبنان، لا يزال الاختفاء القسري يشكل إرثاً غير محلول من الحرب الأهلية (1975-1990) وقضية حقوقية معاصرة في آن واحد.
عقود من الأسئلة بلا أجوبة
لا يزال لبنان يصارع العواقب المستمرة للاختفاء القسري الذي ارتُكب خلال الحرب الأهلية. إذ لا يزال ما يُقدّر بـ17,000 شخص في عداد المفقودين، ما يترك العائلات في حالة معاناة وعدم يقين مطوّلة، ويحرمها من حقها الأساسي في معرفة مصير أحبائها وأماكن وجودهم.
وقد شكّل إقرار القانون رقم 105/2018 المتعلق بالمفقودين والمخفيين قسراً خطوة مهمة إلى الأمام. فالقانون يعترف بالحق في المعرفة، وأنشأ الهيئة الوطنية لشؤون المفقودين والمخفيين قسراً، المكلّفة بالتحقيق في الحالات وتحديد مصير المفقودين وأماكن وجودهم ودعم عملية تقديم الأجوبة لعائلاتهم.
غير أن تحديات كبيرة لا تزال قائمة في تطبيق هذا القانون. فالهيئة الوطنية بحاجة إلى الموارد المؤسسية والتقنية والمالية اللازمة لممارسة ولايتها بشكل كامل، بما في ذلك التحقيق في المقابر الجماعية، وجمع الأدلة والحفاظ عليها، والتعرّف الجنائي وتحليل الحمض النووي.
وبالنسبة للعائلات التي انتظرت عقوداً، فإن مرور الزمن لا يمكن أن يُقلّل من التزام الدولة بإحقاق الحقيقة.
حالات حديثة تُثبت أن الاختفاء القسري لا يزال قضية راهنة
إلى جانب الحالات التاريخية في لبنان، تُثبت حالات حديثة أن الاختفاء القسري لا يزال شاغلاً معاصراً.
بين أيلول 2023 وآب 2026، تقدّم مركز سيدار للدراسات القانونية بـ25 شكوى تتعلق بحالات مزعومة من الاختفاء القسري إلى النائب العام لدى محكمة التمييز، ثم عرض هذه الحالات لاحقاً أمام الفريق العامل التابع للأمم المتحدة المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي. هذا الرقم لا يعكس العدد الحقيقي لحالات الاختفاء القسري التي يستقبلها المركز، إذ إن العدد الفعلي أكبر من ذلك. وإنما يشير هذا الرقم فقط إلى حالات الاختفاء القسري التي تم بشأنها تقديم شكوى اختفاء بشكل رسمي.
ومن بين هذه الحالات، حالة رأفت فالح، وهو لاجئ سوري اختفى إثر توقيفه من قبل السلطات اللبنانية في كانون الثاني 2024. وقد وثّق المركز هذه الحالة، وتابعها قانونياً أمام السلطات اللبنانية، وعرضها على الفريق العامل التابع للأمم المتحدة.
أولاً، تم تناول حالة رأفت فالح لاحقاً في الادّعاء العام رقم 137 الصادر عن الفريق العامل التابع للأمم المتحدة بشأن لبنان. وتناولت هذه المراسلة مخاوف تتعلق بحالات حديثة من الاختفاء القسري المزعوم، وأشارت تحديداً إلى معلومات بخصوص اختفاء فالح بعد توقيفه عند حاجز في طرابلس، وما تلا ذلك من معلومات حول نقله إلى سوريا.
ويكتسب هذا الادّعاء العام أهمية خاصة لأنه يضع الحالات الحديثة في سياق مشكلة لبنان الأوسع وغير المحلولة المتعلقة بالمفقودين والمخفيين، كما يُبرز الحاجة المستمرة إلى إجراء تحقيقات فعالة، ومحاسبة الجناة، واتخاذ تدابير لضمان حماية الأشخاص المحرومين من حريتهم من الاختفاء.
وبالنسبة للمركز، فإن الإشارة إلى حالة فالح على المستوى الدولي تُبرهن على أهمية توثيق الحالات الفردية، ومتابعة سبل الانتصاف المحلية، واللجوء إلى الآليات الدولية لحقوق الإنسان عندما تعجز الآليات الوطنية عن توفير حماية فعالة.
ثانياً، حالة أخرى تتعلق بـUNVT-0020، مواطن لبناني – برازيلي يبلغ من العمر 30 عاماً ويعمل مهندساً، يُزعم أنه تعرّض للاختفاء القسري والتعذيب إثر توقيفه من قبل الأمن العام في 16 أيلول 2025. وقد أُخفي مكان وجوده عن عائلته ومحاميه لأكثر من 35 يوماً.
وقد وثّق المركز هذه الحالة، وتقدّم بشكوى أمام السلطات اللبنانية، وطعن في الانتهاكات التي طالت حقوقه الإجرائية. وبعد مثوله أمام قاضي التحقيق العسكري الأول، أفاد بتعرّضه لاعتداءات جسدية ونفسية، شملت الضرب والتهديد والحرمان من الطعام والماء والإكراه على الإدلاء باعترافات. وقد طلب المركز إجراء فحوصات جنائية ونفسية، وقدّم مراسلة عاجلة إلى المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب.
وفي 17 نيسان 2026، عرض المركز أيضاً هذه الحالة على الفريق العامل التابع للأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي، مثيراً مخاوف بشأن الاحتجاز التعسفي والتعذيب وانتهاكات الأصول القانونية والحق في محاكمة عادلة. وتُبرهن هذه الحالة على أهمية توثيق الانتهاكات، ومتابعة سبل الانتصاف المحلية، واللجوء إلى الآليات الدولية لحقوق الإنسان عند إخفاق الضمانات الوطنية في توفير حماية فعالة.
ثالثاً، هي حالة تعود الى UNVT-0017،عامل يومي سوري يبلغ من العمر 32 عاماً، تم توقيفه من قبل مديرية المخابرات في الجيش اللبناني في 14 تشرين الأول 2025. واحتُجز في منشأة وزارة الدفاع في بعبدا، ثم نُقل لاحقاً إلى السلطات السورية، حيث ظل محتجزاً حتى الإفراج عنه في 20 كانون الثاني 2026.
وقد وثّق المركز هذه الحالة، وتقدّم بشكوى بخصوص اختفائه القسري، وقدّم مراسلة عاجلة إلى الفريق العامل التابع للأمم المتحدة المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي. وأثارت هذه الحالة مخاوف بشأن الاختفاء القسري، ومحدودية الوصول إلى الضمانات القانونية، ومزاعم بالتعرض للتعذيب أثناء احتجازه في لبنان.
على لبنان تعزيز إطاره القانوني والمؤسسي
يدعو مركز سيدار للدراسات القانونية السلطات اللبنانية إلى اتخاذ خطوات ملموسة لمنع الاختفاء القسري ومعالجة الحالات التاريخية والحديثة على حد سواء:
- يجب على لبنان التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري دون مزيد من التأخير.
- يجب على لبنان تطبيق القانون رقم 105/2018 تطبيقاً كاملاً، وضمان أن تكون الهيئة الوطنية لشؤون المفقودين والمخفيين قسراً فعّالة ومستقلة ومزوّدة بالموارد الكافية.
- يجب على لبنان تعزيز الضمانات ضد الاختفاء القسري، وكفالة حقوق الأشخاص المحرومين من حريتهم وحقوق عائلاتهم.
الحق في معرفة الحقيقة لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية
للاختفاء القسري عواقب مدمّرة، لا تطال الشخص المختفي فحسب، بل تمتد إلى عائلته ومجتمعه. فهو يترك العائلات حبيسة بين الأمل والشك، لعقود في كثير من الأحيان، بينما يحرمها من أبسط المعلومات عن مصير أحبائها.
وتُظهر تجربة الحالات الحديثة التي وثّقها المركز، بما فيها حالة رأفت فالح ونظر الفريق العامل التابع للأمم المتحدة فيها لاحقاً، أن الاختفاء القسري لا يمكن التعامل معه باعتباره قضية تخص ماضي لبنان فقط.
وفي هذا اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، يدعو مركز سيدار للدراسات القانونية لبنان إلى الانتقال من الاعتراف إلى التطبيق، ومن الوعود إلى التحقيقات الفعالة، ومن الشك إلى الحقيقة.
فلكل شخص مختفٍ الحق في أن يُعثر عليه. ولكل عائلة الحق في أن تعرف. ولكل ضحية الحق في العدالة.