"معاً أقوى"... ثمانية أشهر من الاستجابة السريعة للنازحين في شمال لبنان
طرابلس – مركز سيدار للدراسات القانونية
في 2 آذار 2026، اندلعت الحرب الإسرائيلية على لبنان، ولم تمضِ أيام حتى امتلأت مدارس الشمال ومعاهده بعائلات وصلت بما حملته في أيديها فقط. جاءت بأطفال خائفين، وبأكياس خفيفة جُمعت على عجل، وبأسئلة لا جواب لها: أين سننام الليلة؟ ومتى نعود؟ وهل بقي بيت نعود إليه؟
في تلك اللحظات الثقيلة لم يكن أمام مركز سيدار للدراسات القانونية (CCLS) سوى أن يكون حيث يجب أن يكون، إلى جانب الناس. في الأسبوع الأخير من آذار كان فريقه قد باشر العمل الميداني، قبل أن تهدأ الأيام الأولى من الصدمة.
أتى المشروع الذي حمل اسم “مساعدة سريعة للعائلات النازحة والأكثر هشاشة في شمال لبنان” ضمن حملة “معاً أقوى“، وامتدّ من آذار حتى تشرين الأول 2026. وبعد ثمانية أشهر وصلت الاستجابة إلى نحو 983 عائلة في 50 موقعاً، في عدة اقضية مثل طرابلس، عكار، الكورة، الضنية، زغرتا والبترون. تقف خلف كل رقم من هذه الأرقام عائلة لها وجوه وأسماء وقصص.
- من الدراسة إلى التوزيع: أن تسأل قبل أن تعطي
لم ينطلق الفريق بشاحنة محمّلة بما تيسّر. بدأ بخطوة أبسط وأصعب، أن يسمع الناس. نزل إلى مراكز الإيواء، من مدارس ومعاهد، بعد التنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية، وجلس مع العائلات وملأ استبيانات تقييم الحاجات، كي لا تأتي المساعدة على قياس المانح بل على قياس الحاجة.
من هذه الجلسات والاستبيانات، ظهرت قائمة المساعدات، بحصص غذائية جاهزة للأكل لمن لا يملكون مطبخاً ولا غازاً، ومياه صالحة للشرب، ومواد تنظيف وتعقيم، وأدوية، وحليب وحفاضات للصغار، وصولاً إلى المساعدات النقدية…
بين نيسان وأيلول وُزّعت 1,320 حصة غذائية جاهزة للأكل في شمال لبنان. غير أنّ الغذاء كان البداية فقط لمساعدات كثيرة قام مركز سيدار بتوزيعها:
- حوالي 1,492 قطعة من مستلزمات النظافة والمواد الأساسية، بينها 712 صندوق نظافة، و52 حقيبة كرامة للنساء والفتيات، و135 فرشة و175 بطانية وغيرها، لتجد العائلة مكاناً أنظف وأدفأ لتنام فيه.
- 825 غالون مياه شرب وصلت إلى مراكز الإيواء في طرابلس وضواحيها وإلى مخيم الحيصة في عكار.
- 1044 قطعة من مستلزمات الأطفال والرضّع، من حليب وحفاضات وقسائم ملابس وقرطاسية وألعاب وغيرها، لأن الطفولة لا تنتظر انتهاء الحرب كي تحتاج إلى الحنان والدفء.
- 311 قطعة من الأدوية والمستلزمات الصحية، إضافة إلى مقاييس حرارة وأوكسجين.
- حين يصبح الدعم النقدي كرامة
لا تكفي الحصص والصناديق دائماً… هناك عائلة نازحة تحتاج أن تدفع إيجاراً بعد فرارها من المنزل دون ان تجلب معها أي شيء، بعد انعدام فرصتها بالحصول على مأوى في مركز إيواء، ورجل مُسن يريد شراء الدواء لنفسه بشكل دوري، وعائلة باتت دون أي مأوى بعد ان تهدم بيتها وخسرت أبنائها وقصص أخرى كثيرة… لذلك قدّم المركز 7,245 دولاراً عبر84 عائلة تراوحت بين 50 و200 دولار للعائلة، بحسب درجة الحاجة.
ذهب القسم الأكبر منها إلى عائلات المباني المنهارة في طرابلس، العائلات التي فقدت بيوتها وبعض أحبّتها في لحظة واحدة، ولم يكن ما تحتاجه مجرد مساعدة بل يداً تمتد في العتمة. وإلى جانبها نساء معيلات ومسنّون وأشخاص من ذوي الإعاقة والأمراض المزمنة، وعائلات خسرت مصدر رزقها. ولم تُوزَّع هذه المبالغ بالجملة، فقد جلس الفريق إلى كل حالة، وقرّر بعد دراستها على حدة، لأن لكل عائلة وجعاً مختلفاً.
- الدعم النفسي: الجانب الذي لا يُرى
يعرف من عاشوا النزوح أن الخسارة لا تنتهي عند الجدران. فالحرب تترك وراءها قلقاً يرافق النائم، وخوفاً يتسلل إلى العلاقات داخل الأسرة، وتعباً لا تفسّره الحصص ولا البطانيات. ومن هنا كان الدعم النفسي في صلب الاستجابة، وليس إضافة عليها.
نفّذت الأخصائية النفسية والأخصائية الاجتماعية في مركز سيدار 70 جلسة دعم نفسي – اجتماعي سجّلت 506 مشاركات ومشارك، بين جلسات فردية وجماعية ونشاطات ترفيهية للأطفال. في هذه الجلسات وجد الجميع نساءا ورجالا وحتى أطفالا، مساحة ليقولوا ما لم يجدوا من يسمعه، وتعلّم الصغار أن اللعب ما زال ممكناً.
وفي مخيم الحيصة في عكار نُظّمت أنشطة ترفيهية تعليمية للأطفال، منها “كيف أحمي نفسي” و”نلعب بمحبة ونتفاعل باحترام” و”ألوان وأمل”. أما الفئة بين 13 و17 عاماً فخُصّصت لها جلسة “مَن أنا… ماذا أريد أن أكون”، كتب فيها كل فتى أو فتاة نقاط قوته على ورقة وحلمه على ورقة أخرى، وعلّقهما على “شجرة القوة”. أفكار بسيطة تقول لمراهقين/ات بأنهم يعيشن في مكان مؤقت وإن مستقبلهم ليس مؤقتاً.
وإلى جانب ذلك، قدّمت محامية المركز توعية قانونية واستشارات مجانية للنازحين حول حقوقهم وتسجيل المواليد وتجديد البطاقات وكيفية تقديم الشكاوى.
- حيث نادراً ما تصل المساعدات
هناك أماكن لا تتصدّر نشرات الأخبار ولا قوائم الاستجابة، وهي السجون ومراكز التوقيف. بعد نقل موقوفين إلى سجون الشمال من سجون الجنوب وبيروت، ازدحمت العنابر فوق طاقتها. لذلك دخل فريق مركز سيدار إلى السجون والمخافر ومراكز التوقيف في طرابلس وأميون وزغرتا والبترون والضنية، وحمل معه ما يخفّف قسوة المكان، فقد وزع الحصص الغذائية ، مواد تنظيف وتعقيم، فرش وبطانيات، أدوية ومستلزمات طبية، وغيرها..
وهنا تجسد هدف المشروع كله، وشملت المساعدة كل نازح بلا استثناء وعلى قدم المساواة. عائلات جاءت من مناطق الحرب، وعائلات فقدت منازلها في انهيار مبانٍ في طرابلس، وعائلات وافدة من الساحل السوري إلى عكار وجبل محسن. في لحظات كهذه لا يسأل الجوع عن الهوية، ولا يطلب البرد بطاقة تعريف.
- شراكات صنعت الفرق
لا تُصنع الحصيلة بيدٍ واحدة. اتكأ المشروع على شبكة تنسيق واسعة ضمّت وزارة الشؤون الاجتماعية والبلديات والمخاتير والأجهزة الأمنية ومنظمات محلية ودولية، إلى جانب خط ساخن وصل عبره عائلات لم تكن مسجّلة لدى أي جهة، وكانت ستبقى بعيدة عن أعين الاستجابة لولا اتصال واحد. وساعد هذا التنسيق في الوصول إلى الأشد حاجة وفي تفادي تكرار المساعدات.
- فريق خلف الأرقام
في كل موقع من هذه المواقع، كان هناك وجوه تتكرر، منسّقة المركز التي ملأت الاستمارات وأصغت إلى المتصلين، وأخصائية نفسية وأخرى اجتماعية جلستا مع الأمهات والأطفال، ومحامية شرحت الحقوق بلغة قريبة من الناس، ومتطوعون ساعدوا في الوصول والتوزيع.
كانت هذه أول تجربة للمركز في الاستجابة الطارئة، ولم يتلقَّ الفريق تدريباً مسبقاً على العمل زمن الحرب. ما حمله معه هو خبراته السابقة في العمل الإنساني مع منظمات أخرى، وإيمان بأن الإنسان هو الأولوية. وهكذا تحوّلت التجربة الأولى إلى أرقام تُقرأ اليوم، وإلى وجوه تذكر بأنّ أحداً مرّ بها.
“معاً أقوى”… ليست عنواناً لحملة فحسب، بل هي ما حدث فعلاً، عائلات صمدت، وفريق عمل لم يتراجع، وشركاء مدّوا يداً أخرى.
لقراءة التقرير كاملاً، يرجى الضغط هُنا.