تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Cedar Centre For Legal Studies

وفاة محمد حرقوص أثناء الاحتجاز: السعي إلى الحقيقة والعدالة والمساءلة

الخلفية

في 6 كانون الثاني 2026، أوقف محمد فرح حرقوص، وهو مواطن لبناني يبلغ من العمر 30 عاماً، في منطقة طريق المطار في بيروت. ووفقاً للمعلومات التي قدمتها عائلته، فقد أوقفه في البداية أشخاص عرّفتهم العائلة بأنهم من عناصر من إحدى المليشيات اللبنانية، ثم جرى تسليمه إلى مديرية المخابرات اللبنانية. ولم يتمكن مركز سيدار للدراسات القانونية من التحقق بشكل مستقل من هوية الأشخاص الذين قاموا بالتوقيف الأول أو الجهة التي ينتمون إليها، كما لم تؤكد مديرية المخابرات رواية العائلة.

بعد ذلك، نُقل السيد حرقوص إلى منشأة عسكرية، حيث خضع، بحسب المعلومات المتوفرة، للاستجواب أثناء وجوده تحت حراسة وسيطرة السلطات الرسمية. ووفقاً لبيان رسمي صادر عن الجيش اللبناني، تعرض السيد حرقوص لمضاعفات صحية أثناء التحقيق معه، ونُقل إلى المستشفى.

توفي السيد حرقوص ليل 6–7 كانون الثاني 2026، وسُلّمت جثته إلى عائلته في 7 كانون الثاني. وبينما عُزيَت وفاته في التفسير الأولي، بحسب ما أُبلغت به العائلة، إلى توقّف القلب أو أسباب طبية أخرى، لاحظ أفراد العائلة إصابات ظاهرة على جسده، ما دفعهم إلى طلب فحص طب شرعي مستقل.

وأصدر الطبيب الشرعي، وهو معتمد لدى المحاكم اللبنانية، تقريراً طبياً شرعياً مستقلاً في 10 كانون الثاني 2026، أثار مخاوف جدية بشأن التفسير الأولي للوفاة. وأظهر الفحص، إلى جانب نتائج الفحوص الشعاعية، وجود إصابات رضّية في الرأس، بما في ذلك نزيف داخل الجمجمة وورم دموي حاد تحت الجافية على الجانبين. وخلص الطبيب الشرعي إلى أن النتائج تتوافق بدرجة أكبر مع إصابة شديدة في الرأس، وأوصى بإجراء تحقيق قضائي شامل.

ويرى  مركز سيدار أن ملابسات وفاة السيد حرقوص تثير أسئلة جدية بشأن معاملة الأشخاص المحتجزين، وحماية الحق في الحياة، وحظر التعذيب، واستقلالية وفعالية التحقيقات في حالات الوفاة التي قد تكون غير مشروعة.

التسلسل الزمني

 6 كانون الثاني 2026 -التوقيف والاحتجاز
أوقف السيد حرقوص، بحسب المعلومات التي قدمتها عائلته، في بيروت، ثم نُقل إلى عهدة السلطات اللبنانية. ولا تزال مسألة تحديد الجهات المسؤولة عن إحتجازه الكامل منذ لحظة توقيفه الأولى من القضايا الأساسية التي تتطلب التوضيح.

 6–7كانون الثاني 2026 -الوفاة أثناء الاحتجاز
تعرض السيد حرقوص لمضاعفات صحية أثناء استجوابه في منشأة عسكرية، وتوفي خلال الليل. وسُلّمت جثته إلى عائلته في 7 كانون الثاني.

 8–10كانون الثاني 2026 -الأدلة الطبية والطب الشرعي
أظهر التصوير المقطعي الذي أجري في 8 كانون الثاني وجود إصابات خطيرة داخل الجمجمة، بما في ذلك نزيف دماغي حاد، وورم دموي حاد تحت الجافية على الجانبين، ووذمة دماغية. وأثار الرأي الطبي الشرعي المستقل الصادر في 10 كانون الثاني مخاوف بشأن احتمال ارتباط الإصابات برضوض ناجمة عن قوة خارجية، بدلاً من وفاة طبيعية.

 12كانون الثاني 2026 -تقديم الشكوى الجزائية
تقدمت عائلة السيد حرقوص، بواسطة محاميها، بشكوى جزائية تتعلق بالتعذيب المؤدي إلى الوفاة، استناداً إلى القانون رقم 65/2017 المتعلق بتجريم التعذيب. وأُحيلت الشكوى إلى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، الذي باشر التحقيق.

 21كانون الثاني 2026 -إجراء التشريح الرسمي
أُجري تشريح رسمي من قبل لجنة مؤلفة من ثلاثة أطباء شرعيين. وأثيرت لاحقاً مخاوف بشأن طريقة التعامل مع نتائج التشريح ونقلها، بما في ذلك التقارير التي أفادت بأنه تم إرسالها إلى مديرية المخابرات قبل إتاحتها للجهات القضائية المختصة أو للجهة الشاكية.

 24شباط 2026 -تدخل الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان
توجهت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان، بما في ذلك اللجنة الوطنية للوقاية من التعذيب، إلى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، طالبةً معلومات حول التحقيق والظروف والسبب المؤدي إلى وفاة السيد حرقوص.

نيسان 2026 -القرار المبلّغ عنه
تلقى مركز سيدار معلومات تفيد بأن مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية أصدر، في نيسان 2026، قراراً صنّف، بحسب ما أُبلغت به العائلة، السلوك المرتبط بوفاة السيد حرقوص باعتباره مخالفة للأنظمة أو التعليمات العسكرية وليس جريمة جزائية. ولم يتمكن مركز سيدار من الحصول على نسخة من القرار أو مراجعته بشكل مستقل، ولذلك طالب بتوضيح أساسه القانوني وأسبابه ووضعه القضائي.

26 أيار 2026 -تفويض العائلة لمركز سيدار
منح والد السيد حرقوص وكالة قانونية لرئيس برنامج الدعم القانوني في مركز سيدار، لتمثيل مصالح العائلة أمام السلطات القضائية اللبنانية والآليات الدولية لحقوق الإنسان.

10 آب 2026 -تقديم شكوى إلى المقررين الخاصين للأمم المتحدة
تقدم مركز سيدار بمراسلة إلى المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفاً و المقرر الخاص المعني بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، طالباً تدخلهما بشأن الوفاة، وادعاءات التعذيب، واحتمال الحرمان غير المشروع من الحياة.

وطلب مركز سيدار من المقررين الخاصين الحصول على توضيحات من السلطات اللبنانية بشأن الجهات المسؤولة عن التوقيف، والتحقيق، والأدلة الطبية والطب شرعية، والاختصاص القضائي، والمساءلة.

الانتهاكات والمخاوف القانونية

يثير ملف السيد حرقوص مخاوف بموجب القانون اللبناني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

أولاً: القانون اللبناني

أدخل القانون رقم 65/2017 المتعلق بتجريم التعذيب ضمانات مهمة للتحقيق في ادعاءات التعذيب. وعلى وجه الخصوص، تنص المادة 24 مكرر من قانون أصول المحاكمات الجزائية على ضمانات خاصة للتحقيق في ادعاءات التعذيب، بما في ذلك تولي السلطات القضائية المختصة التحقيق شخصياً والحد من تفويض المهام التحقيقية إلى الأجهزة الأمنية.

ويهدف هذا الإطار إلى منع المؤسسات التي قد يكون أحد أفرادها متورطاً في الانتهاك المزعوم من تولي التحقيق فيه بصورة فعلية.

كما يثير إحالة الملف إلى القضاء العسكري مخاوف جوهرية. فالشكوى تتعلق بادعاءات التعذيب المؤدي إلى الوفاة، إلا أن الملف أُحيل إلى القضاء العسكري. ويرى مركز سيدار أن ذلك يثير تساؤلات في ضوء المادة 15 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، إضافة إلى مخاوف تتعلق باستقلال القضاء، وقدرة عائلة الضحية على المشاركة في الإجراءات، وحقها في الوصول إلى سبيل انتصاف فعال.

ثانياً: القانون الدولي

صادق لبنان على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عام 1972. وتثير هذه القضية بشكل خاص مسائل مرتبطة بـ المادة 6 التي تحمي الحق في الحياة، والمادة 7 التي تحظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والمادة 2(3) التي تضمن الحق في سبيل انتصاف فعال.

وتتطلب حالات الوفاة أثناء الاحتجاز لدى الدولة إجراء تحقيق سريع ومستقل ومحايد وفعال، قادراً على كشف الحقيقة وتحديد المسؤولين وضمان المساءلة.

كما صادق لبنان على اتفاقية مناهضة التعذيب عام 2000، والتي تلزم الدول بمنع التعذيب والتحقيق في الادعاءات المتعلقة به عندما تتوافر أسباب معقولة للاعتقاد بوقوعه، وضمان وصول الضحايا وعائلاتهم إلى العدالة وسبل الانتصاف الفعالة.

وينبغي أيضاً أن يخضع التحقيق لمعايير بروتوكول مينيسوتا بشأن التحقيق في حالات الوفاة التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة، الذي يفرض أن تكون التحقيقات في حالات الوفاة، ولا سيما الوفيات أثناء الاحتجاز، مستقلة ومحايدة وسريعة وشفافة وفعالة.

توصيات مركز سيدار

يدعو مركز سيدار السلطات اللبنانية إلى:

  1. ضمان إجراء تحقيق سريع ومستقل ومحايد وفعال وشفاف في وفاة محمد حرقوص، بما في ذلك التحقيق في ادعاءات التعذيب وظروف احتجازه ووفاته.
  2. إحالة التحقيق إلى القضاء العدلي، عند الاقتضاء، وضمان التطبيق الكامل للقانون رقم 65/2017 والمادة 24 مكرر من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
  3. الحفاظ على جميع الأدلة الطبية والطب شرعية وفحصها بشكل مستقل، بما في ذلك تقرير التشريح الرسمي، والرأي الطبي الشرعي المستقل، والصور المقطعية وسائر السجلات الطبية، من خلال مؤسسة طب شرعي مستقلة مؤسسياً عن الأجهزة الأمنية أو العسكرية التي قد تكون لها صلة بالقضية.
  4. تحديد الجهات المسؤولة عن الإحتجاز الكاملة للسيد حرقوص منذ لحظة توقيفه الأولى وحتى وفاته، بما في ذلك تحديد جميع الأشخاص والجهات التي شاركت في توقيفه واحتجازه واستجوابه وتأمين الرعاية الطبية له.
  5. ضمان المساءلة من خلال ملاحقة أي شخص تثبت مسؤوليته عن التعذيب أو الاستخدام غير المشروع للقوة أو أي فعل جرمي آخر مرتبط بوفاة السيد حرقوص.
  6. ضمان حقوق عائلة الضحية، بما في ذلك الوصول إلى المعلومات والوثائق القضائية والطبية والطب شرعية، والمشاركة في الإجراءات، والقدرة على الطعن في القرارات المتعلقة بالتحقيق، والحصول على جبر فعّال للضرر.
  7. تعزيز قدرات الطب الشرعي المستقلة في لبنان، بما في ذلك إنشاء مؤسسة طب شرعي مستقلة قادرة على التحقيق في الوفيات التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة. ويتوافق ذلك أيضاً مع التوصيات التي قدمها المقرر الخاص للأمم المتحدة عقب زيارته إلى لبنان.

موقف مركز سيدار

إن وفاة شخص أثناء احتجازه لدى السلطات تستوجب تقديم تفسير موثوق ومستقل. وفي حالة محمد حرقوص، فإن وجود تفسيرات متضاربة بشأن سبب الوفاة، ونتائج طبية شرعية تشير إلى إصابات رضّية خطيرة، والمخاوف المتعلقة باستقلالية التحقيق، وغياب أي مساءلة جزائية معلنة حتى الآن، تجعل من إجراء تحقيق شفاف ومستقل أمراً لا غنى عنه.

ومن خلال مراسلته إلى المقررين الخاصين للأمم المتحدة، يسعى المركز إلى ضمان إخضاع القضية لتدقيق دولي مستقل، وتمكين عائلة محمد حرقوص من الوصول إلى الحقيقة والعدالة والمساءلة وسبل الانتصاف الفعالة.