من عشرة أشهر من التوقيف في لبنان إلى حكم البراءة في اليونان: قضية موقوف سوري ودور مركز سيدار للدراسات القانونية في متابعة حقوقه
الخلفية
تتناول هذه الحالة، التي تحمل الرمز التعريفي (MI-TDH-056) حفاظاً على سرية هوية صاحبها، قضية موقوف سوري يبلغ من العمر 55 عاماً واجه خطر التسليم إلى اليونان على خلفية اتهامات مرتبطة بملف يعود إلى عام 2014، في ظل ادعاءات بوجود مخاطر على حقوقه الأساسية ودفوع تتعلق ببراءته من التهم المنسوبة إليه.
أُوقف في لبنان بناءً على طلب تسليم صادر عن السلطات اليونانية استناداً إلى مذكرة توقيف بتهمة الاتجار بالبشر، وصدر مرسوم يقضي بتسليمه إلى اليونان. وأفاد الموقوف بأنه لا علاقة له بالجريمة المنسوبة إليه، موضحاً أنه سبق أن باع سيارته لشخص آخر تبين لاحقاً أنه متورط في عمليات تهريب، الأمر الذي أدى، بحسب إفادته، إلى إدراج اسمه في القضية دون أي صلة مباشرة بالأفعال المنسوبة إليه. كما أبدى مخاوف جدية من تعرضه للتعذيب أو سوء المعاملة في حال تنفيذ قرار تسليمه إلى اليونان.
الموقوف في لبنان بقي محتجزاً عشرة أشهر على الرغم من براءته، بينما في اليونان لم يتجاوز توقيفه الشهر ونصف، وخلال هذه الفترة القصيرة استطاعت المحكمة الاستماع إلى الشهود والتأكد من براءته وإصدار الحكم بسرعة. ليس ذلك فحسب، بل إن السلطات اليونانية قدّمت له اعتذاراً بعد ثبوت براءته، ما يعكس احترامها لحقوق الإنسان وحرصها على تصحيح أي خطأ قضائي. هذا التباين يبرز وجود ثغرات عميقة في النظام القضائي اللبناني، حيث يتحول التوقيف الاحتياطي إلى عقوبة بحد ذاته نتيجة البطء في الإجراءات، في حين أن أنظمة قضائية أخرى تُظهر قدرة أكبر على تسريع المحاكمات وضمان حقوق الموقوفين.
الإجراءات القانونية التي اتخذها مركز سيدار للدراسات القانونية
- 4 شباط/ فبراير 2026: تم تنظيم وكالة قانونية لدى الكاتب العدل لتولي مركز سيدار للدراسات القانونية تمثيل الموقوف ومتابعة ملفه.
- 25 شباط/ فبراير 2026: راجع مركز سيدار للدراسات القانونية ملف القضية، حيث تبين أن الموقوف مطلوب للسلطات اليونانية بموجب مذكرة توقيف صادرة عام 2014 بتهمة الاتجار بالبشر، وأن مرسوماً بتسليمه إلى اليونان قد صدر، مع وجود مخاوف من تعرضه للتعذيب أو سوء المعاملة في حال تنفيذ قرار التسليم.
- 25 شباط/فبراير 2026: تابع مركز سيدار للدراسات القانونية الملف، وتأكد من أن تنفيذ قرار التسليم كان مقرراً إلى السلطات اليونانية.
- 25 شباط/فبراير 2026: تقدم مركز سيدار للدراسات القانونية بطعن أمام مجلس شورى الدولة، متضمناً طلباً مستعجلاً لوقف تنفيذ مرسوم التسليم.
- 11 آذار/مارس 2026: تقدم مركز سيدار للدراسات القانونية بمراجعة مستعجلة أمام مجلس شورى الدولة تحت الرقم 267/2026 للطعن بقرار التسليم.
- 12 آذار/مارس 2026: تقدم مركز سيدار للدراسات القانونية بطلب إلى النيابة العامة التمييزية في بيروت لإجراء اتصال مرئي مع الموقوف عبر تطبيق “واتساب” بهدف استكمال المتابعة القانونية.
- 27 آذار/مارس 2026: صدر قرار مجلس شورى الدولة برد طلب وقف تنفيذ قرار التسليم لعدم توافر شروط العجلة.
- 18 أيار/مايو 2026: زار فريق مركز سيدار للدراسات القانونية الموقوف في مكان احتجازه، واستحصل على توقيعه على المستندات اللازمة لاستكمال إجراءات السفر، كما حصل على رقم هاتفه الشخصي لضمان استمرارية التواصل ومتابعة ملفه بعد التسليم.
- 9 حزيران/يونيو 2026: استكمل مركز سيدار للدراسات القانونية الإجراءات الإدارية المتعلقة بتنفيذ قرار التسليم، حيث تولى تخليص معاملات السفر وتأمين وحجز بطاقة السفر الخاصة بالموقوف، تمهيداً لنقله إلى اليونان بتاريخ 10 حزيران/يونيو 2026.
- 22 حزيران/ يونيو 2026 وبعد تسليم الموقوف إلى اليونان، واصل محامي مركز سيدار للدراسات القانونية متابعة القضية والتواصل مع الموقوف أمام السلطات القضائية اليونانية إلى حين صدور الحكم النهائي، الذي انتهى بإعلان براءته من التهمة المنسوبة إليه.
- عقب صدور حكم البراءة: غادر الموقوف اليونان متوجهاً إلى الاردن، ليتجه بعدها الى سوريا، فيما استمر محامي مركز سيدار للدراسات القانونية بمتابعة أوضاعه القانونية والتواصل معه.
تكشف هذه القضية عن عدد من الإشكاليات الحقوقية، أبرزها:
- تنفيذ قرار التسليم رغم إثارة مخاوف جدية بشأن تعرض الموقوف للتعذيب أو سوء المعاملة، بما يثير تساؤلات حول مدى احترام لبنان لمبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في المادة (3) من اتفاقية مناهضة التعذيب.
- محدودية فعالية سبل الانتصاف القضائية، بعد رد طلب وقف تنفيذ قرار التسليم قبل البت في المخاطر التي أثارها الموقوف، بما قد يمس بحقه في وسيلة انتصاف فعالة وضمانات المحاكمة العادلة المكفولة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
- تنفيذ إجراءات التسليم رغم ادعاءات الموقوف بانتفاء مسؤوليته عن الأفعال المنسوبة إليه، وهي ادعاءات انتهت لاحقاً بصدور حكم ببراءته من القضاء اليوناني، مما يبرز أهمية التحقق الدقيق من الوقائع قبل تنفيذ قرارات التسليم.
التوصيات
- الالتزام بمبدأ عدم الإعادة القسرية من خلال إجراء تقييم فردي وفعّال لمخاطر التعذيب أو سوء المعاملة قبل تنفيذ أي قرار تسليم، بما يتوافق مع المادة (3) من اتفاقية مناهضة التعذيب.
- ضمان فعالية سبل الانتصاف القضائية، بما يتيح للمطلوب تسليمهم الطعن في قرارات التسليم والحصول على قرار قضائي نهائي قبل تنفيذها.
- تعزيز الضمانات الإجرائية في قضايا التسليم، بما يكفل احترام الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة وفقاً للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
- التحقق بصورة دقيقة من الأدلة والادعاءات التي تستند إليها طلبات التسليم، ولا سيما في الحالات التي يدعي فيها الشخص وقوع خطأ في إسناد المسؤولية الجنائية، قبل تنفيذ أي قرار بالتسليم.