فعالية في جنيف بعنوان "دور الاستعراض الدوري الشامل (UPR) في تعزيز حقوق الإنسان ومكافحة التعذيب في لبنان"
26 حزيران 2026
بمناسبة اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، نظّم مركز سيدار للدراسات القانونية (CCLS)، بدعم من مؤسسة هينريش بل – مكتب بيروت، فعالية بعنوان “دور الاستعراض الدوري الشامل (UPR) في تعزيز حقوق الإنسان ومكافحة التعذيب في لبنان”، وذلك في نادي الصحافة في جنيف بتاريخ 26 حزيران/يونيو 2026. وسلّطت المناقشات الضوء على استمرار ممارسات التعذيب في لبنان رغم الحظر القانوني، وضعف تطبيق القانون رقم 65/2017، والاستعراض الدوري الشامل المقبل كفرصة لتعزيز المساءلة. عُقد الحدث حضورياً وعبر الإنترنت، وجمع خبراء من الأمم المتحدة وممثلي منظمات دولية. كما ركزت النقاشات على قضايا حقوق الإنسان والقضايا الإنسانية التي تؤثر على شمال لبنان، مع تركيز خاص على الوقاية من التعذيب، والمساءلة، وحقوق الناجين، وتنفيذ توصيات الاستعراض الدوري الشامل الخاص بلبنان.
سعد الدين شاتيلا:
تحدث سعد الدين شاتيلا، المدير التنفيذي لمركز سيدار للدراسات القانونية، عن دور المركز في مكافحة التعذيب وتعزيز حقوق الإنسان. واستعرض برامجه الأساسية، بما في ذلك “برنامج دعم وإعادة تأهيل ضحايا التعذيب” و”برنامج الحماية القانونية وإعادة التأهيل للاجئين والمهاجرين”، إلى جانب الجهود المبذولة لتوثيق حالات التعذيب وسوء المعاملة، ومراقبة الاحتجاز التعسفي، وتقديم المساعدة القانونية. وأشار إلى أن مركز إعادة التأهيل قدم حتى الآن 266 استشارة طبية وجلسة علاج فيزيائي و612 جلسة دعم نفسي واجتماعي، مؤكداً أن هذه الأرقام تتغير يومياً مع توافد حالات جديدة.
وعرض شاتيلا الجدول الزمني للاستعراض الدوري الشامل الرابع للبنان، والذي بدأ بالاستشارات الوطنية في أيلول/سبتمبر 2025، تلاها تقديم تقارير الدولة وأصحاب المصلحة في تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2025، ثم مراجعة ملف لبنان في جنيف في كانون الثاني/يناير 2026، واعتماد تقرير الحصيلة في حزيران/يونيو 2026.
كما استعرض التوصيات الرئيسية المتعلقة بالتعذيب، بما في ذلك الدعوات لتعزيز استقلالية وفعالية الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، والمصادقة على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، والتطبيق الكامل لقانون مناهضة التعذيب رقم 65/2017، وتحسين ظروف السجون، وإنهاء الإفلات من العقاب، وضمان وصول هيئات الرقابة إلى مراكز الاحتجاز. وأشار أيضاً إلى التوصيات الرامية إلى إنهاء محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة.
وتطرق بعد ذلك إلى الفجوات بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي، مشدداً على أنه على الرغم من وجود القوانين، فإن إنفاذها لا يزال ضعيفاً؛ حيث لا تزال قضايا التعذيب تُحال إلى المحاكم العسكرية دون إجراء تحقيقات جادة، وتتعرض المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية لانتهاكات منتظمة أثناء الاعتقال والاستجواب. وأضاف أن المدنيين ما زالوا يُحاكمون أمام القضاء العسكري، ويواجه المحامون قيوداً، ولا تزال قضايا الاختفاء القسري طي التحقيق رغم إقرار القانون رقم 105. كما يواجه اللاجئون والمهاجرون خطر الإعادة القسرية والترحيل الفوري، في حين تظل الهيئات الرقابية غير فعالة، ولم تُنشر تقارير الأمم المتحدة.
وفي الختام، عرض رد لبنان على توصيات الاستعراض الدوري الشامل في حزيران/يونيو 2026؛ حيث أيدت الدولة التوصيات المتعلقة بالوقاية من التعذيب وظروف الاحتجاز، فضلاً عن تعزيز الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان والمصادقة على اتفاقية الاختفاء القسري، لكنها اكتفت بـ “أخذ العلم” بالتوصيات المتعلقة بالحد من صلاحيات المحاكم العسكرية، دون التزام كامل بها.
تخلل الحدث عرض مرئي تم إنتاجه باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI)، يروي قصص ضحيتين من ضحايا التعذيب فارقا الحياة نتيجة الانتهاكات التي تعرضا لها. وسلّط الفيديو الضوء على معاناة الضحايا والأثر البعيد المدى للتعذيب، مؤكداً على الحاجة الملحة لمكافحة هذه الممارسات وتعزيز المساءلة. وقد حظي العرض بتفاعل كبير من الحاضرين الذين أبدوا اهتماماً بمحتواه، مشيرين إلى أنه يعكس خطورة قضية التعذيب في لبنان.
محمد صبلوح:
تناول محمد صبلوح، رئيس برنامج الدعم القانوني في مركز سيدار للدراسات القانونية، الفجوة بين الإطار القانوني وتطبيقه العملي في مجال مكافحة التعذيب في لبنان. وبدأ بمراجعة اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، التي انضم إليها لبنان في عام 2000، موضحاً أنها تُعرّف التعذيب بأنه أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يتم إلحاقه عمداً بشخص ما للحصول على معلومات أو اعتراف، أو معاقبته أو تخويفه، عندما يصدر ذلك عن موظف رسمي أو بتحريض منه أو بموافقته وقبوله. وأشار إلى أن انضمام لبنان إلى الاتفاقية يفرض عليه التزامات قانونية باتخاذ إجراءات تشريعية وقضائية وإدارية لمنع التعذيب، ومحاكمة مرتكبيه، وضمان إنصاف الضحايا.
ثم تطرق إلى القانون رقم 65/2017، الصادر في 19 أيلول/سبتمبر 2017، باعتباره الإطار التشريعي اللبناني لتجريم التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وقد أُقر هذا القانون تماشياً مع التزامات لبنان بموجب الاتفاقية، بهدف توفير الحماية القانونية للضحايا، ومحاسبة الجناة، وضمان حقوق الضحايا في التعويض وإعادة التأهيل.
وأكد صبلوح أن المشكلة الأساسية تكمن في استمرار وقوع حالات التعذيب وسوء المعاملة رغم التزامات لبنان الدولية والقوانين الوطنية التي تحظر هذه الممارسات، متسائلاً عن أسباب استمرارها في ظل هذا الإطار القانوني.
وسلّط الضوء على الضمانات القانونية الحمائية ضد التعذيب، مشيراً إلى أن المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تضمن للمشتبه بهم الحق في الاتصال بمحامٍ، وإبلاغ أحد أفراد الأسرة، والخضوع لفحص طبي عند الحاجة، في حين تعزز المادة 32 ضمانات المحاكمة العادلة واحترام الأصول القانونية. ومع ذلك، لفت إلى أن هذه الضمانات يتم الالتفاف عليها بشكل روتيني؛ حيث يُحرم المحتجزون من التواصل مع المحامين أو الأقارب، ويُجبرون على التنازل عن حقوقهم، ويُحتجزون لمدد تتجاوز المهمل القانونية، ويُعرضون للتعذيب لانتزاع الاعترافات، وكل ذلك في ظل ضعف المحاسبة القضائية.
كما تناول التحديات التي تواجه إثبات جرائم التعذيب، مستشهداً بغياب الأطباء الشرعيين المتخصصين والمدربين على بروتوكولي إسطنبول ومينيسوتا، وعدم إقرار مشاريع قوانين الطب الشرعي المقترحة منذ عام 2000، والافتقار إلى معهد وطني للطب الشرعي. وأشار إلى الجهود الجارية لتأمين التمويل لإنشاء هذا المعهد بالتنسيق مع السلطات اللبنانية.
وأوضح صبلوح أن مركز سيدار، بالتعاون مع منظمات حقوقية ومحامين، قدّم العديد من شكاوى التعذيب في السنوات الأخيرة، إلا أن معظمها لم يفضِ إلى ملاحقات قضائية فعالة، مما يكرس ثقافة الإفلات من العقاب. وأشار في هذا السياق إلى وفاة محمد حرقوص في كانون الثاني/يناير 2026، والتي لم تتم الملاحقة القضائية فيها بموجب قانون مناهضة التعذيب، وقضية بشار عبد السعود، التي تعد واحدة من الحالات القليلة التي اتُّخذت فيها إجراءات قضائية نتيجة الضغط الإعلامي والحقوقي. كما ذكر توقيف الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي، مما أثار مخاوف بشأن خطر الترحيل القسري وتجاهل الضمانات القضائية، لا سيما بالنسبة للسوريين المطلوبين من قبل سلطات بلادهم.
وخلص إلى أن استمرار هذه الانتهاكات يعكس غياب الإرادة السياسية والقضائية، وضعف التحقيقات، وتفشي الإفلات من العقاب، وتجاهل الضمانات الإجرائية، خاصة خلال الساعات الأولى من الاحتجاز.
وختم صبلوح كلمته بمجموعة من التوصيات، شملت: تعديل قانون مناهضة التعذيب بما يتماشى مع ملاحظات المنظمات الحقوقية للتطبيق الكامل لاتفاقية مناهضة التعذيب، وإنشاء معهد وطني للطب الشرعي وتدريب أطباء شرعيين متخصصين وفقاً للمعايير الدولية، وإلزام وزراء الداخلية والعدل والدفاع بمحاسبة الأجهزة الأمنية والقضائية في حال عدم الامتثال للقانون ومحاكمة المسؤولين عن الانتهاكات، والتأكيد على مسؤولية الحكومة اللبنانية في حماية الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي والالتزام بمبدأ عدم الإعادة القسرية برفض تسليم أي شخص إلى دولة قد يواجه فيها التعذيب.
مايفا رينيه-باري:
قدمت مايفا رينيه-باري، مديرة برامج الأمم المتحدة في المجلس الدولي لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب (IRCT)، “ميثاق حقوق الضحايا والناجين من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة”. وتحدثت عن المسار العالمي الذي قاده الناجون لصياغة هذا الميثاق، والذي شارك فيه 42 ناجياً من 36 دولة، بالتعاون مع المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب. كما استعرضت إطار الحقوق السبعة للناجين الذي يقوم عليه الميثاق، وأهمية المعايير التي تركز على الناجين، وكيفية استخدام الميثاق في جهود كسب التأييد والإصلاح القانوني.
سميرة مواسي:
قدمت سميرة مواسي، من وحدة الفضاء المدني بالمفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR)، عرضاً ركز على أهمية وجود فضاء مدني ممكّن للوقاية من انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك التعذيب، ودور مدافعي حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني في تعزيز المساءلة وتنفيذ الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. وناقشت دور الفضاء المدني في دفع عجلة حقوق الإنسان والمساءلة، والتحديات التي يواجهها المدافعون عن حقوق الإنسان والفاعلون في المجتمع المدني، والمعايير الدولية وآليات الأمم المتحدة لحمايتهم، وأهمية تهيئة بيئة مواتية للرصد والإبلاغ والمناصرة ضد التعذيب وسوء المعاملة.
مايكل خامباتا:
قدم مايكل خامباتا، ممثل مركز الخليج لحقوق الإنسان (GCHR) في جنيف، لمحة عامة عن نتائج الدورة الرابعة للاستعراض الدوري الشامل (UPR) الخاصة بلبنان، ودور الآليات الدولية في دعم التنفيذ والمساءلة. وناقش مخرجات الاستعراض الدوري الشامل والتوصيات المعتمدة، والتوصيات المتعلقة بالتعذيب ضمن الإطار الدولي لحقوق الإنسان، ودور آليات الأمم المتحدة والدول في عملية المتابعة، والممارسات المقارنة لتنفيذ توصيات الاستعراض الدوري الشامل، وفرص الرصد المستمر والمساءلة.
أدارت الجلسة ميساء العاشق، مسؤولة المناصرة الدولية في معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان (CIHRS)، حيث ألقت الكلمة الافتتاحية وأدارت النقاش بين ممثلي مركز سيدار للدراسات القانونية (CCLS)، والمجلس الدولي لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب (IRCT)، وغيرهم من المتحدثين الضيوف. كما ألقت الكلمة الختامية نيابة عن المنظمين.
يُذكر أن وفداً من مركز سيدار للدراسات القانونية (CCLS)، يضم المدير التنفيذي أ. سعد الدين شاتيلا ورئيس برنامج الدعم القانوني أ. محمد صبلوح، سيحضر جلسة اعتماد حصيلة الاستعراض الدوري الشامل (UPR) الخاص بلبنان خلال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 30 حزيران/يونيو 2026 في جنيف.