Cedar Centre For Legal Studies

رحلة VTC36 مع مركز سيدار: كيف يصبح الإصغاء إنقاذًا للحياة

VTC36 هي امرأة في السابعة والثلاثين من عمرها من الجنسية السورية، تعيش في شمال لبنان. تتحدث عن حياتها وكأنها تسرد طبقات متراكمة من الألم، عن نشأة لم تعرف الأمان يومًا، ولا الاحتواء، ولا الشعور الطبيعي بالقبول. كبرت في بيئة تصفها بالقاسية، بيئة تعتبر ما هي عليه جريمة وفضيحة وحرامًا، ولا ترى في اختلافها سوى سبب للعقاب والإقصاء.

في بيتها، لم يكن هناك ما يشبه العائلة. أب تصفه بالعنيف، المدمن على الكحول، الذي يضرب ويهين، يغيب عن الوعي، حاول التحرش بأولاده، ويجلب رجالًا إلى المنزل. كانوا يستيقظون أحيانًا ليجدوه يضع أفلامًا إباحية على التلفزيون. تصفه بأنه شخص غير محترم، وأن الجو في المنزل كان مقرفًا ومؤذيًا. أمها، كما تقول، مسكينة إلى حد العجز، لا تدافع عن نفسها ولا عن أولادها، وجودها بلا قدرة على الحماية. تكرر أن لا تربية في هذا البيت، لا أحد ربّى أحدًا، ولا أحد كان حاضرًا ليحتوي أو يوجّه. كل شيء كان يحتاج إلى إعادة تأهيل نفسي وتربوي.

باعتبارها الكبرى بين إخوتها، حملت عبئًا مبكرًا. شعرت أن عليها أن تضحي. في نحو التاسعة عشرة من عمرها تزوجت رجلًا يكبرها كثيرًا، زواجًا لم يكن بدافع الحب، بل من أجل المال، ومن أجل أن يعيش إخوتها ويرتاحوا. تصف ذلك كأنه بيع للنفس. لم تكن تحتمل فكرة العلاقة الزوجية معه، كانت تنفر منه، وتراه كوحش. ثم اختفى، وانتهت القصة سريعًا، لكنها لم تنهِ ما في داخلها.

مع الوقت، أدركت ميولها. تأكدت أنها لا تميل إلى الرجال، بل تفضّل أن تكون مع امرأة. ثم تبيّن أن إخوتها أيضًا لديهم الميول نفسها. أخوها تعرّض للضرب عندما عُرف أنه يتواصل مع شخص، وأُهين وقيل له كلام جارح. أختها كانت على علاقة بامرأة، فتعرّضت لعنف شديد. تقول إنهم ضُربوا كثيرًا، وأُهينوا كثيرًا، وما زال الكلام البشع مستمرًا حتى اليوم. في المكان الذي يعيشون فيه يُعدّ هذا الأمر جريمة بحد ذاته، ويُقابل بالعنف الفوري والإهانات.

تذكر بوضوح أن هناك من هددهم بالقتل، وأن هناك من حاول قتل أخيها بسبب هذا الموضوع. تصف وضعهم الإنساني والاجتماعي بأنه معدوم؛ لا أحد يتقبلهم، لا في البيت ولا خارجه. تسمع الإهانات وهي تمشي في الطريق، ولا تجد من يوظفها، ولا من يدخلها بيته. تشعر أن كل ما عاشوه من فقر وعنف واضطهاد وأمراض نفسية حلقات مترابطة، يكمل بعضها بعضًا.

حاولت مرارًا التواصل مع جمعيات تعنى بالمثلية الجنسية طلبًا للمساعدة، لكنها لم تجد استجابة، وكان الرد الدائم أن لا مجال بسبب كثرة الحالات. إلى أن وصلها رقم مركز سيدار لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب. تواصلت مع منسقة المركز وأخذت موعدًا، حيث استُقبلت باحترام، واستُمع إلى قصتها بكل ما فيها من ألم وتفاصيل موجعة. لم يُقاطعها أحد، ولم يُشعرها أحد أن فيها خطأ. كان الإصغاء نفسه بداية التخفيف عنها. داخل المركز، تم عرضها أولًا على طبيب صحة عامة، حيث خضعت للمتابعة الطبية وإجراء التحاليل اللازمة. لم يكن الأمر استشارة عابرة، بل متابعة جدية لحالتها الصحية ضمن إطار مهني منظم.

وبالتوازي مع المتابعة الطبية، عُرضت على أخصائية نفسية داخل المركز. هناك بدأت جلسات الحديث، واستطاعت أن تسرد ما عاشته، من عنف في البيت، واضطهاد اجتماعي، وضرب وإهانات وتهديدات. كانت إعادة الحكاية مؤلمة، لكنها وجدت من يستمع حتى النهاية، من دون حكم أو إدانة.

وخلال هذه المتابعة النفسية، وبسبب ما كانت تعانيه من ضيق شديد وميول نحو الانتحار، تم تحويلها إلى دكتورة نفسية لمتابعة حالتها بشكل أعمق. وُضعت على علاج دوائي، وكانت أدويتها مكلفة، إلا أن المركز تكفّل بها طوال فترة المتابعة. استمرت الجلسات، واستمر الدعم، في إطار يراعي حالتها النفسية وخطورة ما كانت تمر به.

تؤكد أن هذا المسار، من العرض على طبيب عام، إلى الأخصائية النفسية، ثم التحويل إلى دكتورة نفسية بسبب ميولها الانتحارية، كان نقطة مفصلية في حياتها. لم يتغير واقعها الاجتماعي، ولم تتغير ميولها، فهي تعتبر ان الله خلقهم هكذا، ولا يستطيعون تغيير ذلك، لكنها شعرت أن هناك من أخذ معاناتها بجدية، وتعامل معها كحالة تستحق الرعاية، لا كوصمة. وجدت مساحة آمنة للكلام، ومتابعة طبية ونفسية حقيقية، ساعدتها على مواجهة أفكارها المظلمة وعدم الاستسلام لها.

بعد كل ما عاشته من عنف ورفض، فهي بحاجة إلى ما يتجاوز مجرد الاستماع أو الكلام الطيب. هي بحاجة إلى متابعة نفسية مستمرة، إلى جلسات علاجية ترافقها خطوة بخطوة، تحميها من أي ميول انتحارية قد تعود للظهور، وتمنحها استقرارًا داخليًا بعد سنوات من الصدمات.

تحتاج أيضًا إلى بيئة آمنة ومستقرة، بعيدًا عن البيت الذي تربّت فيه على الخوف والعنف، حيث لا مكان للتعرض للتحرش أو للإهانات، بعيدًا عن محيط يرفض وجودها كما هي. مساحة تحميها وتسمح لها بالتنفس دون قلق دائم، وتشكل لها ملاذًا من التهديدات التي واجهتها.

ولا يقل أهمية عن ذلك، دعم طويل الأمد لمعالجة الصدمات التي تراكمت منذ الطفولة، عنف جسدي، إهانات لفظية، تهديدات بالقتل، وكل تجارب الرفض الاجتماعي التي تركت أثرًا عميقًا في نفسها. كما أن وجود شبكة دعم صادقة ومستقرة، أشخاص يسمعونها دون حكم، يقفون إلى جانبها في لحظات الألم، سيكون عاملًا حيويًا لحمايتها من العزلة والاكتئاب.

أخيرًا، هي بحاجة إلى تعزيز شعورها بالقبول، أن تجد من يقبلها كما هي، من دون وصم، ويثبت لها أن حياتها ليست محكومًا عليها بالرفض، وأن هناك من يهتم بها، ويدعمها، ويعطيها الفرصة لتعيش بشيء من الاطمئنان وسط عالم لم يكن يومًا رحيمًا معها.

تكشف هذه القصة عن تداخل عميق بين العنف الأسري، والحرمان من التربية السليمة، والرفض الاجتماعي القائم على الميول الجنسية، وكيف يمكن لهذه العوامل مجتمعة أن تُنتج هشاشة نفسية خطيرة تصل إلى حدّ ميول انتحارية. فالبيئة التي نشأت فيها اتسمت بغياب الأمان، والعنف الجسدي واللفظي، والتحرش، والتعرض لمشاهد وسلوكيات صادمة داخل المنزل، ما أسّس لصدمة ممتدة لم تتوقف عند حدود الطفولة، بل استمرت في علاقاتها وخياراتها اللاحقة، ومنها زواجها المبكر القائم على التضحية والاضطرار.

كما تُظهر القصة أن الاضطهاد لم يكن محصورًا داخل الأسرة، بل امتد إلى المحيط الاجتماعي، حيث الضرب، والإهانات، والنبذ، والتهديد بالقتل، ومحاولة قتل أحد أفراد الأسرة. هذا الرفض المزدوج، الأسري والمجتمعي، عمّق الشعور بالعزلة وانعدام القيمة، ورسّخ الإحساس بانعدام الحقوق والقبول.

في المقابل، تبرز أهمية التدخل المتخصص المنهجي. فمسار عرضها على طبيب صحة عامة، ثم أخصائية نفسية، ومن بعدها تحويلها إلى دكتورة نفسية بسبب ميولها الانتحارية، يعكس مقاربة متكاملة أخذت حالتها بجدية. المتابعة الطبية، والدعم النفسي، وتوفير العلاج الدوائي، لم تُغيّر واقعها الاجتماعي، لكنها شكّلت عامل حماية نفسي في مواجهة أفكار خطرة كانت تهدد حياتها.

تُظهر هذه الحالة بوضوح أن الاستماع غير المشروط، والتعامل المهني مع الألم النفسي، يمكن أن يشكّلا نقطة تحوّل حاسمة، حتى وإن بقيت الظروف الخارجية صعبة. فبين بيئة تُقصي وتُعاقب، ومساحة تُصغي وتحتوي، يتحدد الفارق بين الانهيار الكامل وإمكانية الاستمرار.

انتهاكات حقوق الإنسان:

  1. الحق في الحياة والسلامة الجسدية:
  • التعرض للضرب المتكرر داخل الأسرة.
  • تهديدات مباشرة بالقتل.
  • محاولة قتل أحد أفراد الأسرة.

يشكّل ذلك انتهاكًا مباشرًا للحق في الحياة والأمان الشخصي.

  1. الحماية من العنف وسوء المعاملة
  • عنف جسدي ولفظي ممنهج داخل المنزل.
  • إذلال وإهانات مستمرة على أساس الميول الجنسية.
  • تعريض الأطفال لمشاهد وسلوكيات جنسية صادمة.

تندرج هذه الأفعال ضمن المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة.

  1. الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي والميول الجنسية
  • الاعتداء والضرب بسبب الميول الجنسية.
  • التهديد والعقاب الاجتماعي القائم على الهوية أو التوجه الجنسي.
  • يمثل ذلك شكلًا من أشكال العنف القائم على التمييز.
  1. حقوق الطفل
  • التعرض للعنف الجسدي والنفسي في الطفولة.
  • الإهمال الأسري وغياب الحماية.
  • التعرض لمحاولة تحرش.

كل ذلك يشكل انتهاكًا لحق الطفل في الحماية والنمو في بيئة آمنة.

  1. الحق في الصحة (بما في ذلك الصحة النفسية)
  • عدم تلقي رعاية نفسية مبكرة رغم وجود صدمات متراكمة.
  • وجود ميول انتحارية نتيجة غياب منظومة حماية اجتماعية.

ورغم أن التدخل العلاجي لاحقًا كان إيجابيًا، إلا أن السياق العام يعكس إخفاقًا في ضمان الوصول المبكر والآمن للرعاية.

  1. الحق في عدم التمييز
  • رفض اجتماعي بسبب الميول الجنسية.
  • صعوبات في العمل والاندماج الاجتماعي.

يمثل ذلك تمييزًا يؤثر على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

 التوصيات:

  1. استمرار المتابعة النفسية المتخصصة طويلة الأمد مع تقييم دوري لخطر الانتحار.
  2. الاستمرار بالعلاج الدوائي تحت إشراف طبي منتظم.
  3. إدماجها في شبكات دعم آمنة وغير حُكمية للحد من العزلة.
  1. برامج توعية مجتمعية حول مخاطر العنف القائم على التمييز.
  2. إنشاء مساحات آمنة للأشخاص المعرضين للاضطهاد بسبب ميولهم الجنسية.
  3. تعزيز ثقافة تقبل التنوع والحد من خطاب الكراهية.
  4. تفعيل الحماية القانونية من العنف والتهديد.
  1. تطوير سياسات حماية واضحة للأشخاص المعرضين للعنف القائم على الميول الجنسية.
  2. دعم منظمات المجتمع المدني التي تقدم خدمات متخصصة في إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي.