لبنان أمام اختبار العدالة: قضية تعذيب لقاصر في طرابلس تكشف الثغرات
المقدمة:
ما زال التعذيب في لبنان يشكّل جرحًا مفتوحًا في جسد العدالة، إذ تحوّل من ممارسة استثنائية إلى ثقافة مترسخة داخل بعض الأجهزة الأمنية والقضائية. هذه الثقافة لا تكتفي بارتكاب الانتهاكات، بل تعمل على توفير الغطاء لمرتكبيها، وتسهيل إفلاتهم من العقاب عبر التلاعب بالإجراءات، وإهمال الشكاوى، وطمس الأدلة.
في بلد يُفترض أن تحكمه القوانين، يصبح التعذيب وسيلة لإسكات الأصوات، وانتزاع الاعترافات، وترويع الأفراد، بينما يقف الضحايا أمام مؤسسات يُفترض أنها حامية للحقوق، لكنها في كثير من الأحيان تتحول إلى شريك في الانتهاك أو متواطئ بالصمت.
القضية التي نعرضها هنا تعود للقاصر UNVT26-002، ذكر، يبلغ من العمر 16 عامًا، من الجنسية اللبنانية. هذا القاصر أوقفته مخابرات الجيش في الشمال، وتعرض للضرب والتعذيب، واحتُجز لديهم فترة طويلة لضمان زوال الآثار قبل تسليمه. لاحقًا أُحيل إلى فصيلة قوى الأمن الداخلي، ثم مثل أمام قاضية التحقيق التي لاحظت تورم أنفه، وأخبرها أنه تعرض للتعذيب، لكنها لم تتخذ أي إجراء.
رغم طلب الشهود لإثبات براءته، أنهت التحقيق بادعاء عليه وأصدرت مذكرة توقيف بحقه، مغلقة الملف على أساس إدانته. عندها مركز سيدار تابع القضية وطالب بتعيين طبيب شرعي. النائب العام المعاون أحال الأمر إلى طبيب السجن، وهو إجراء غير قانوني، وتبين لاحقًا أن الطبيب لم يقم بالكشف عليه.
محامي مركز سيدار زار مدعي عام الشمال هاني الحجار وشرح له تفاصيل ما تعرض له القاصر، فوافق على الفور على تعيين طبيب شرعي مستقل. بالفعل، زار الطبيب الشرعي السجين القاصر، الذي أخبره بما جرى معه، ولاحظ الطبيب أن آثار التعذيب ما زالت واضحة حتى بعد مرور شهر.
في المقابل، كان طبيب السجن قد زاره سابقًا وقال له: “حدا بيدّعي على مخابرات الجيش؟ بينخرب بيتك، شو بدك؟ انسَ الضرب والتعذيب وأنكر كل شي، لأنهم ما بيتحاسبوا.”
المسار القانوني لمركز سيدار:
- في 14 نيسان 2026: تم تنظيم سند توكيل عام قضائي ليمنح القاصر الموقوف حق المتابعة القانونية بشكل رسمي.
- في 22 نيسان 2026: حضر محامي مركز سيدار جلسة أمام قاضية التحقيق الرئيسة في الملف، وكانت هذه الجلسة محطة مهمة في مسار القضية.
- في 23 نيسان 2026: جرى تصديق وكالة باسم الموقوف، لتثبيت الإجراءات القانونية بشكل أوضح.
- في 24 نيسان 2026: تقدم مركز سيدار بطلب لتعيين طبيب شرعي، لكن النيابة العامة عينت طبيب السجن الذي لم يقم بالكشف عليه، ما اضطر المركز إلى تقديم طلب جديد.
- في 28 نيسان 2026: أُعيد الطلب لتعيين طبيب شرعي جديد، وتمت الموافقة على نفقة مركز سيدار. وبالفعل تم تكليف طبيب شرعي بالكشف على القاصر مقابل 300 دولار، ووُضع التقرير في النيابة العامة.
- في 29 نيسان 2026: تقدم مركز سيدار بطلب فتح تحقيق بالتعذيب للقاصر الموقوف، وفي اليوم نفسه حُجز له موعد صورة شعاعية للأنف في قسم الأشعة بأحد مستشفيات طرابلس عند الساعة 12:00 ظهرًا.
- في 6 أيار 2026: تم تقديم طلبًا جديدًا بدعوة الشهود ومواجهته مع المدعي، خطوة تهدف إلى كشف الحقيقة بشكل مباشر.
- في 13 أيار 2026: محامية مركز سيدار راجعت فصيلة التل للتأكد من ملفاته، وتبين وجود ملف آخر يتعلق بمحضر مخدرات، وهو الآن قيد المتابعة في النيابة العامة.
- في 19 أيار 2026: تم نقل القاصر الموقوف الى مخفر مشتى حسن.
- في 19 أيار 2026: تم مراجعة ملف القاصر وتم رد الطلب من قبل قاضية التحقيق الرئيسة وصدرت قرارها الظني على انه جناية واحتمال استئناف القرار من قبل مركز سيدار.
- في 3 حزيران 2026: تم تقديم مذكرة مطلبية مع طلب اخلاء سبيل للقاصر الى الهيئة الاتهامية في الشمال.
أبرز الانتهاكات وفق الاتفاقيات الدولية التي وقع عليها لبنان:
- اتفاقية مناهضة التعذيب (CAT)
- المادة 2: تحظر التعذيب بشكل مطلق، ولا يجوز التذرع بأي ظروف استثنائية (حرب، طوارئ، أوامر عليا) كمبرر.
الانتهاك: تعرض القاصر للضرب والتعذيب أثناء احتجازه لدى مخابرات الجيش.
- المادة 12 و13: تلزم الدولة بالتحقيق الفوري والنزيه في أي ادعاء بالتعذيب، وضمان حق الضحية في تقديم شكوى.
الانتهاك: القاضية تجاهلت شكوى القاصر رغم ملاحظتها تورم أنفه، ولم تفتح أي تحقيق.
- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)
- المادة 7: تحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
الانتهاك: استمرار التعذيب والضغط على القاصر لإنكار ما تعرض له.
- المادة 14: الحق في محاكمة عادلة، بما في ذلك الاستماع للشهود والدفاع عن النفس.
الانتهاك: رفض القاضية الأخذ بأقوال القاصر أو الشهود، وإصدار مذكرة توقيف بحقه دون تحقيق جدي.
- اتفاقية حقوق الطفل (CRC)
- المادة 37: تحظر تعذيب الأطفال أو معاملتهم بشكل قاسٍ، وتلزم الدول بضمان عدم احتجازهم إلا كملاذ أخير ولأقصر فترة ممكنة.
الانتهاك: احتجاز القاصر لفترة طويلة لدى مخابرات الجيش بهدف إخفاء آثار التعذيب.
- المادة 39: تلزم الدولة بتوفير إعادة تأهيل بدني ونفسي للأطفال ضحايا التعذيب.
الانتهاك: لم يتم توفير أي دعم طبي أو نفسي للقاصر، بل جرى التلاعب بتعيين طبيب السجن الذي لم يكشف عليه.
التوصيات:
- التحقيق في مزاعم التعذيب وسوء المعاملة التي تعرض لها القاصر، ومساءلة جميع المسؤولين المباشرين وغير المباشرين، بما يتوافق مع التزامات لبنان بموجب United Nations واتفاقية مناهضة التعذيب.
- اتخاذ إجراءات قضائية فعالة بحق كل من شارك أو تستر أو أهمل التحقيق في ادعاءات التعذيب، بما في ذلك أي تقاعس قضائي أو أمني عن أداء الواجب القانوني.
- إلزام السلطات بعرض أي موقوف يدّعي التعرض للتعذيب على طبيب شرعي مستقل فورًا، وتوثيق الإصابات وفق المعايير الدولية.
- توفير برنامج إعادة تأهيل نفسي وجسدي متخصصة للقاصر كضحية محتملة للتعذيب، انسجامًا مع المادة 39 من اتفاقية حقوق الطفل.
- احترام حق القاصر في الدفاع عن نفسه، والاستماع إلى الشهود، وعدم الاعتماد على أي إفادات انتُزعت تحت الضغط أو التعذيب، تطبيقًا للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
- السماح للهيئات الرقابية والقضائية المستقلة بزيارة أماكن الاحتجاز بشكل دوري ومفاجئ، خاصة مراكز التحقيق التابعة للأجهزة الأمنية.
- تنظيم برامج إلزامية حول حظر التعذيب وحقوق الطفل والمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، بما يضمن منع تكرار هذه الانتهاكات.