بيان صادر عن مركز سيدار للدراسات القانونية بمناسبة 6 شباط، اليوم الدولي لإحياء ذكرى الموتى والمفقودين على الحدود وفي البحار
في السادس من شباط من كل عام، يُخصَّص العالم يومًا لإحياء ذكرى الذين فقدوا حياتهم أو ما زالوا في عداد المفقودين أثناء محاولاتهم عبور الحدود البرية والبحار. إنه يوم للتأمل في المآسي الإنسانية التي ترافق رحلات البحث عن الأمان والكرامة، بعيدًا عن الحروب والفقر وانتهاكات الحقوق الأساسية، وللتذكير بأن وراء كل رقم قصة إنسانية مؤلمة تستحق أن تُروى.
في هذا اليوم، لا يقتصر دورنا على مجرد إحياء الذكرى، بل يتسع ليشمل الاعتراف بما يعيشه الناجون من الهجرة غير النظامية، وأسر الضحايا والمفقودين من آلام متواصلة وصدمات عميقة. هؤلاء يعيشون بين فقدٍ موجع وانتظارٍ مرير للحقيقة، فيما تتحول لحظة النجاة أو الفقد إلى بداية رحلة طويلة من المعاناة النفسية والاجتماعية والاقتصادية. إنها مأساة ممتدة تتطلب استجابة إنسانية شاملة ومسؤولة تضع كرامة الإنسان في صميم الاهتمام.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، يشدد مركز سيدار للدراسات القانونية على أن إعادة تأهيل ضحايا الهجرة غير النظامية وأسرهم تمثل حجر الأساس لأي مقاربة إنسانية جادة لهذه القضية. فالناجون يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي متخصص يساعدهم على تجاوز آثار الصدمات، وإلى حماية قانونية تصون حقوقهم وكرامتهم. أما العائلات، فهي بأمسّ الحاجة إلى مرافقة دائمة، ومعلومات واضحة وشفافة حول مصير أحبّتهم، إضافة إلى آليات إنصاف تعترف بمعاناتهم وتضع حدًا لسياسة التهميش والنسيان.
وفي هذا الإطار، نعيد التشديد على أن الهجرة غير النظامية لا تُعد خيارًا حرًا، بل هي انعكاس مباشر لغياب الحماية، وفشل السياسات، وتفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لقد تحولت الحدود والبحار إلى ساحات موت تُسقط أحلام الشباب والعائلات، في مشهد مأساوي يتكرر وسط صمت دولي مثير للقلق.
كما نؤكد أن التوعية والوقاية تمثلان ركيزتين أساسيتين للحد من هذه الظاهرة القاتلة. فغياب المعلومات الدقيقة، وانتشار الخطاب المضلل حول ما يُسمى بـ “الهجرة الآمنة” عبر البحر، إضافة إلى خطابات الكراهية، كلها عوامل تدفع الكثيرين إلى المغامرة بحياتهم وحياة أطفالهم. إن إطلاق حملات توعية مجتمعية قائمة على حقائق موثوقة وتجارب واقعية يُعد خطوة ضرورية لكشف المخاطر الحقيقية للهجرة غير النظامية، ولتفكيك الشبكات التي تستغل يأس الناس وتحوّل معاناتهم إلى تجارة بالموت
لذلك، يؤكد مركز سيدار للدراسات القانونية على ضرورة أن تعتمد الدولة اللبنانية، والجهات المعنية، والمجتمع الدولي، حزمة متكاملة من التوصيات العملية والمرتبطة ببعضها، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: التوعية والوقاية من مخاطر الهجرة غير النظامية
- وضع وتنفيذ خطة وطنية شاملة للتوعية بمخاطر الهجرة غير النظامية، تتناول بشكل واضح مخاطر الغرق، والاتجار بالبشر، وعمليات النصب والاحتيال.
- ربط جهود التوعية بحقوق الأفراد وآليات الحماية المتاحة داخل لبنان وخارجه، بما يضمن اتخاذ قرارات مبنية على المعرفة لا على اليأس.
- إطلاق برامج توعوية ميدانية مستدامة، مع إعطاء الأولوية للمجتمعات المهمشة والفقيرة، خصوصًا في مدينة طرابلس وشمال لبنان.
ثانيًا: إعادة التأهيل والدعم الشامل للضحايا وأهاليهم
- إقرار برامج متخصصة لإعادة تأهيل الناجين من الهجرة غير النظامية، تشمل الدعم النفسي والاجتماعي والصحي والقانوني.
- توفير مرافقة مستمرة لعائلات الموتى والمفقودين، بما يشمل الدعم النفسي والاجتماعي وضمان حقهم في المعرفة والحقيقة.
ثالثًا: الخطوط الساخنة وآليات الإنذار والحماية من الاستغلال
- إنشاء خط ساخن وطني مجاني، سري، ومتعدد اللغات، بإشراف مباشر من الجهات الحكومية اللبنانية المختصة، وتخصيصه لتلقي طلبات المساعدة العاجلة في حالات الخطر والكوارث، قبل الرحلة وأثناءها وبعد الوصول.
- تمكين الخط الساخن من استقبال الشكاوى المتعلقة بالاتجار بالبشر والاستغلال والانتهاكات، مع ضمان حماية المبلّغين، وربط الخطوط الساخنة بآليات استجابة سريعة، وخطوط إنذار دولية، ومنظمات حماية داخل لبنان وخارجه.
رابعًا: العدالة والمساءلة وحماية الكرامة الإنسانية
- إجراء تحقيقات جدية وشفافة في حالات الغرق والاختفاء، وضمان محاسبة المسؤولين عنها.
- ضمان احترام حقوق الإنسان للمهاجرين واللاجئين دون تمييز، ولا سيما الحق في الحياة والكرامة وعدم الإعادة القسرية.
خامسًا: الشراكات المحلية وآليات الإحالة والحماية المجتمعية
- تعزيز التعاون بين البلديات، خصوصًا بلدية طرابلس وبلديات الشمال، ومنظمات المجتمع المدني والجهات الحقوقية والإنسانية.
- دعم البلديات في تنفيذ حملات التوعية، وتوفير مساحات آمنة لجلسات التثقيف، وإشراك قادة المجتمع المحلي لبناء الثقة والوصول إلى جميع الفئات دون تمييز، بما يشمل اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين من مختلف الأعمار والأجناس
إننا نؤكد أن أزمة الهجرة غير النظامية ليست أرقامًا أو إحصاءات، بل هي جراح إنسانية مفتوحة تطال الأفراد والعائلات والمجتمعات، ولا سيما في لبنان. ومعالجة هذه الأزمة تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتعاونًا دوليًا قائمًا على احترام حقوق الإنسان، والعدالة، والتضامن.
ختامًا، يجدّد مركز سيدار للدراسات القانونية التزامه الثابت بالعمل من أجل حماية كرامة الإنسان وحقه في الحياة، والدفاع عن حقوق الضحايا والناجين، والسعي الجاد لمنع تكرار هذه المآسي.
ذكرى خالدة للموتى، وأمل متجدد للمفقودين، وحقوق مصانة لعائلاتهم.
6 شباط 2026